ما لا تعرفه عن ثروات اوكرانيا التي أثارت شهية الغرب !

ما لا تعرفه عن ثروات اوكرانيا التي أثارت شهية الغرب !

‏خريطة حرب المعادن في أوكرانيا

لطالما كانت الحرب فعل اقتصادي ومصلحي كما هي فعل سياسي وأمني، ولأن الطاقة هي محرك الاقتصاد والمصالح والسياسة والأمن، فالحروب التي تنشأ لأجلها لن تنتهي يوماً. ومن حروب إلى حروب الليثيوم والكوبالت، تبدو أوكرانيا رقعة أخرى وقعت بين قوى التجاذب الكبرى.



 

لنضع أمامنا خريطة أوروبا وننظر إلى طرفيها: في أقصى الشرق سنرى ماريوبول وخيرسون وخاركيف ودونيتسك ولوهانسك، وفي الطرف الآخر، على بعد حوالي 3,000 كلم غربًا، سوف نرى غلاسكو.

 

في الشرق، تلك أسماء مدن ومقاطعات أوكرانية صارت مألوفة لفرط تكرارها في نشرات الأخبار والمقالات والتحليلات التي ترسم خريطة تقدّم القوات الروسية في الأراضي الأوكرانية، وتحدد أبرز مواقع المعارك المحتدمة. أما غلاسكو في الغرب فهي مدينة في شمال بريطانيا عُقد فيها مؤخرًا “مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP26)”، الذي أقرّ جملة من التوصيات والتعهدات للحد من انبعاثات الكربون وكبح ارتفاع درجات حرارة الأرض. فما الذي يجمع إذًا بين طرفي الخريطة هذين؛ واحدٌ يخوض ما يبدو حربًا قومية بغرض التدمير والسيطرة، وآخر يبدو كمن يخوض حربًا على التدهور المناخي الحاصل في العالم؟



 

عصر السيارة الكهربائية

 

التعهد الأبرز الذي خرج عن مؤتمر التغير المناخي في غلاسكو كان الإعلان عن تسريع المرحلة الانتقالية للوصول إلى لحظة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية التي لا تنبعث منها غازات كربونية مضرة بالبيئة (zero emission cars). هنا توافقت الاقتصادات الرائدة على العمل كي تكون جميع العربات الجديدة المباعة في أسواقها ذات انبعاث صفري بحلول عام 2035. وتساهم هذه التعهدات في تجذير انزياح اقتصاد النقل من تمحوره حول النفط كمصدر للطاقة باتجاه تمحور جديد، تبرز فيه المعادن كخزان للطاقة المتجدّدة والنظيفة. فعلى العكس من السيارات التقليدية التي يشكل محرك الاحتراق الداخلي (الذي يتعمد على الوقود الأحفوري) الجزء الأساسي منها، فإن البطارية هي أهم أجزاء السيارات الكهربائية ومؤشر تنافسيّتها.

 

وتدخل في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية تركيبات مختلفة من المواد والمعادن الحيوية والنادرة التي تشكّل قطبي البطارية وباقي مكوناتها الداخلية، ومن أكثرها استخدامًا الليثيوم والكوبالت والنيكل والمنغنيز والألمنيوم والغرافيت التي صارت اليوم من بين أهم الموارد التي يمكن استكشافها واستثمارها. عمليًا، لا يمكن بناء بطارية فعّالة اليوم من دون الليثيوم. أما مزيج الكوبالت والنيكل في قطب البطارية الموجب (cathode)، فيتمثل دوره في تحقيق استقرار حراري يترافق مع كثافة طاقية عالية. هكذا، وخلال عقد واحد تقريبًا، أصبحت فلذات هذه المعادن من أهم الموارد الطبيعية التي يمكن أن تجلب الثراء للدول التي تكتشفها في أراضيها، ولكنها أيضًا تجلب معها لعنات انتهاك حقوق الإنسان وتلوث البيئة وخلخلة الاستقرار السياسي، والمجال مفتوحٌ أمام تفاقم السباقات لنيل حصصٍ في هذه الموارد وتحولها إلى حروبٍ – اقتصادية أو عسكرية – أشبه بحروب النفط.

 

معادن التحوّل الطاقي في أوكرانيا

 

عمومًا، يسود الاعتقاد بأن معظم التربة التحتية في أوروبا الغربية ليست غنية بالليثيوم، ولو أن التطور الحاصل بأساليب الاستكشاف يساهم في مراجعة إجماليات الموارد القابلة للاستخراج على الدوام بحسب “الهيئة الأميركية للمسح الجيولوجي (USGS)”. سوى أن الدراسات الجيولوجية تُجمع على احتواء أوكرانيا احتياطي الليثيوم الأكبر في القارة الأوروبية، وهو يقدر بحوالي 500 ألف طن.

 

تعد البرتغال، حاليًا، البلد الأكبر المنتج لليثيوم في أوروبا باحتياطيات مؤكدة تبلغ 60 ألف طن. وفي الآونة الأخيرة، أعطت الحكومة البرتغالية الضوء الأخضر للتوسع باستخراج الليثيوم في ستة مواقع مختلفة، برغم مخاوف السكان المحليين من الأضرار البيئية التي قد تنتجها عمليات الاستخراج. أما عالميًا، فإن “مثلث الليثيوم” يحوز على الحصة الأكبر من الاحتياطيات ومن القدرة الإنتاجية، وهو يقع في المنبسطات الصحراوية الملحية بين الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي. وتحتل أستراليا المرتبة الثانية عالميًا باحتياطي يبلغ 5.7 مليون طن. أما الصين فهي تأتي في المرتبة الثالثة باحتياطي يبلغ حوالي مليون ونصف المليون طن.

 

قبل شباط/فبراير 2022، كانت أوكرانيا قد بدأت تلفت أنظار المستثمرين مع تكثيفها عمليات المسح الجيولوجي، والكشف عن معلومات جديدة لما فيها من موارد واحتياطيات معدنية. تعد أوكرانيا من أغنى دول أقصى شرق أوروبا بالثروات المعدنية، بامتلاكها نحو 97 نوعًا من المعادن والمواد الخام. يأتي غنى أوكرانيا من ناحية بسبب طبيعتها الجيولوجية، ومن ناحية أخرى بسبب عدم استثمار معظم ثروات البلاد الباطنية حتى الساعة. تركزت معظم عمليات الاستخراج في أوكرانيا أيام الاتحاد السوفييتي في مناجم الفحم والحديد التي رفدت الصناعات التقليدية الثقيلة. كما عُرفت أوكرانيا بالمنغنيز الذي صار يُعد اليوم أحد أبرز مكونات بطاريات الليثيوم، وذلك بسبب بوجود واحد من أكبر مكامن المنغنيز في العالم في “حوض نيكوبول (Nikopol Basin)” الذي يمتد جنوب البلاد في مقاطعتي دنيبروبيتروفسك وزابوريجيا وتتواجد أهم مناجمه المُنتجة في خيرسون.

 

استمر هذا التركيز على عمليات التنجيم التقليدية في أوكرانيا لسنوات، حتى بعد تفكك الاتحاد وخروج أوكرانيا منه. في الآونة الأخيرة، وضمن إطار تموضع أوكرانيا كبلد جاذب للاستثمارات في سوق المعادن، عملت هيئة المسح الجيولوجي الأوكرانية على وضع مخططات شاملة لمواقع مختلف الموارد المعدنية بهدف طرحها أمام الشركات المحلية والعالمية، واستدراج عروض الاستكشاف والاستخراج.

 

جيولوجيًا، تعد الأراضي الأوكرانية فريدة في غناها بمختلف الخامات المعدنية والهيدروكربونية بحسب “أطلس المعلومات القومية الأوكراني” الذي أعدّه مركز البيانات الدولي للمعلومات الجغرافية والتنمية المستدامة. تشكّل أوكرانيا الجزء الجنوبي من السهل الأوروبي الشرقي، وهي تتضمن بضعة منخفضات حيوية تحوي الكثير من الترسبات المعدنية. من أهم هذه المنخفضات “منخفض الدنيبر-دونيتسك” الذي يجاور “الدرع الأوكراني”. تبدأ منطقة “الدرع الأوكراني” من حدود أوكرانيا في إقليم الدونباس على سواحل بحر آزوف، وتمتد غربًا وشمالًا لتنتهي عند الحدود الشمالية مع بيلاروسيا، وهي تشكل قلب الأراضي الأوكرانية.

 

تتركز معظم خامات الثروات المعدنية الثمينة والنادرة في أراضي هاتين المنطقتين الجيولوجيتين. وفي الواقع، تبدأ أهم مكامن الليثيوم المؤكدة بالظهور في مقاطعة دونيتسك في حقل شيڤتشينكيڤسكا وفي حقل كروتا بالكا في مقاطعة زابوريجيا على بحر آزوف، وعلى بعد حوالي 50 كم من ماريوبول. قبل بداية الحرب ببضعة أشهر، كان هذان الحقلان موضع منافسة بين أستراليا، المنتجة الأكبر لليثيوم في العالم، والصين المسيطرة حاليًا على سوق البطاريات العالمي.

 

في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أعلنت شركة “يوروبيان ليثيوم (European Lithium)” أنها تسعى لشراء شركة “بيترو كونسلتنغ (Petro Consulting LLC)” الأوكرانية التي كانت قبل أعوام قد حصلت على ترخيص أولي لاستكشاف الحقل الأول، وكان شرط الصفقة الأسترالية أن تحتفظ الشركة الأوكرانية بترخيصها ذاك. كانت “يوروبيان ليثيوم” ترغب أيضًا بالحصول على حق الاستخراج في موقع ثالث في كيروفوغراد وسط البلاد، الذي تشير بعض تقارير الصحافة المحلية إلى سعي مستثمر أميركي نيل ترخيص العمل فيه. وفي الشهر نفسه، قدمت شركة “تشنغ شن (Chengxin)” الصينية عرضها للحصول على ترخيص استخراج الليثيوم في تلك المواقع.

 

للكوبالت وجوده أيضًا في أوكرانيا باحتياطي يقدر بحوالي 8.8 ألف طن. وبسبب ما يحمله استخراج الكوبالت من فاتورة إنسانية مقلقة في جمهورية الكونغو الديموقراطية، صاحبة الاحتياطي الأكبر عالميًا (3.6 مليون طن)، واستحواذ الصين على الحصة الأكبر من مناجمها من جهة، ووجود احتياطي كبير للكوبالت في روسيا يُقدر بحوالي 250 ألف طن من جهة أخرى، بات لاحتياطيات هذا المعدن الأوروبية أهمية استراتيجية. تأتي هذه الاعتبارات أيضًا في ضوء عدم وجود مشاريع إنتاج للكوبالت حاليًا في أوروبا، وتوضُّع أكبر الاحتياطيات المنتَجة في دول أفريقية وآسيوية. تقع احتياطيات أوكرانيا المقدرة من الكوبالت في مقاطعات دنيبروبيتروفسك وجيتومير وكيروفوغراد حيث يوجد منجم ليبوڤينكيڤسكي، الوحيد المنتج حاليًا للكوبالت.

 

في الواقع، تترافق مكامن الكوبالت أعلاه مع مكامن النيكل. وعلى العكس من روسيا التي تحتل المركز الثالث عالميًا في إنتاج النيكل وتزوّد سلاسل التوريد العالمية بحوالي 20% من النيكل الصافي (Class 1 nickel) اللازم لصناعة البطاريات، لا يوجد مشاريع استخراج للنيكل أو إنتاجه على نطاق واسع في أوكرانيا. يُعد النيكل أساسيًا في صناعة الفولاذ غير القابل للصدأ وبعض أنواع السبائك الأخرى وفي الطلاء الكهربائي. ولكن بدأت حصة استخدام النيكل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية تزداد باطراد خلال الأعوام الماضية، ما رفع من مستوى الطلب عليه. ومع بداية الحرب، سجّل النيكل ارتفاعًا حادًا في أسعاره. ويمكن ملاحظة محورية دور روسيا في تجارة النيكل العالمية من خلال العنوان الذي ظهر في صحيفة “وول ستريت جورنال” في آذار/مارس الماضي: “تستطيع روسيا احتجاز النيكل رهينة: إذا قطع بوتين إمدادات المعدن، سيختنق اقتصاد السيارة الكهربائية”. ويشهد واقع تملص فلاديمير بوتانين، المعروف بلقب “ملك النيكل”، من العقوبات الغربية على مركزية شركته “نورنيكل (Nornickel)” في القطاع وهيمنتها عليه.

ما لا تعرفه عن ثروات اوكرانيا التي أثارت شهية الغرب !

تابع موقعنا :

اخر الاضافات

لون التصفح :